بعد انقضاء يوم كامل من القتال و الصراع يعود ماكبث القائد الشجاع بعد انتصاره في معركته ، يمر هو و صديقه بانكو في وسط غابة مظلمة شديدة الضباب، فجأة تحيط بهم ثلاثة ظلال و في وسط رهبة مخيفة اقتربت هذه الظلال لتتبين ملامح شاحبة ذو بشرة متجعدة و أجساد هزيلة تبدو ملامحهم غير مألوفة ، و دفعة واحدة ترددت همساتهم لتكسر حاجز الصمت و تخاطب القائد ماكبث مرددة “أهلا بك ماكبث يا سيد كلاميس ، اهلا بك ماكبث يا سيد كرودور ، أهلا بك ماكبث الذي سيصبح ملكا في المستقبل.”
دخل ماكبث في صراع داخلي بعد لقائه بالساحرات، إذ لم يتمكن من التخلص من النبوءة بسهولة، فقد أثارت بداخله أفكارًا متناقضة بين ولائه للملك دنكان وطموحه نحو السلطة.
“ومن المنظور النفسي يمكن تفسير هذه المرحلة بمفهوم التنافر المعرفي، وهي حالة من التوتر النفسي تنشأ عندما يحمل الفرد فكرتين أو معتقدين متعارضين في الوقت نفسه. وقد ظهر ذلك بوضوح لدى ماكبث، الذي وجد نفسه ممزقًا بين إخلاصه للملك من جهة، وإمكانية وصوله إلى العرش من جهة أخرى”
__حين قرر الملك دنكان زيارة قلعة ماكبث، بادر الأخير بإرسال رسالة لزوجته الليدي ماكبث، يخبرها بنبوءة الساحرات و زيارة الملك. لم تكن الحالة النفسية لليدي ماكبث شبيهة بحال زوجها الغارق في تناقضاته، بل كان طموحها حازماً، ورؤيتها للسلطة واضحة ، وهدفها هو التخلص من الملك.
وعند لقائهما، حاولت إقناعه بضرورة التخلص من الملك دنكان ، إلا أنه رفض طلبها . هنا، انتقلت الليدي ماكبث إلى استخدام أسلوب التلاعب النفسي، مركزة ضرباتها على كبريائه ورجولته، مستهدفةً شجاعته كمحارب ووصفه بالجبن.
“وإذا تساءلنا عن دوافع هذا التلاعب النفسي من ناحية علم النفس، فالتلاعب النفسي في علم النفس هو مجرد إعادة برمجة، حيث نجد أن الجاني يهدف إلى زعزعة الركائز الفكرية والأخلاقية بأساليب خفية وتكتيكية في سلوك الضحية، وهذا تماماً ما فعلته ليدي ماكبث حيث استهدفت رجولية زوجها ونعته بالجبن.
إن الذي حدث في دماغ ماكبث نتيجة لذلك هو زعزعة تامة لثقته بنفسه، مما خلق لديه حالة من الشك الشديد في قراراته ومبادئه. وتحت هذا الضغط النفسي، وقع الضحية في حالة امتثال لأفكار الجاني، فتبناها كآلية دفاعية وهرباً من الشعور بالنقص والذنب، لتصبح رغبة المتلاعب هي رغبة الضحية نفسها.”
__وصل الملك دانكان الى القلعه واسْتُقبل بترحيب حار من ماكبث و ليدي ماكبث لكن وراء هذا الترحيب الحار نوايا خبيثه وخيانه تختبئ داخل اسوار هذه القلعه…في خفايا هذه الاسوار المظلمه يخطو ماكبس في ممر طويل نحو غرفه الملك فجاه يتوقف معك بث للحظه عندما يلمح خنجرا طائرا في الفراغ يقطر دما…يتحرك الخنجر باتجاه غرفة الملك ويتبعه معك بث فجاه يسمع صوت الجرس يدق هذه علامه بينه وبين زوجته لان يقدم على الجريمه لكنه كان يعتقد ان هذا الجرس الجنازه وفي وسط مشاعره وافكاره المتضاربة وخوفه وتردده يقدم فجاه على قتل الملك…. ينظر من حوله ليجد نفسه وحيدا امام جثه هامدة،تردد صوت قوي غريب في اذني ماكبس كأن صرخة قويه تدوي من داخل كل كيانه ليسمع صوتا اخر داخل راسه يخبره” لن تنام بعد هذا اليوم” تضيق به الغرفة ويسمع همسات الجدران كأنها الشاهد الوحيد لهذه الجناية.
“عند تشكل الخنجر في بصره تظهر الهلوسه البصريه حيث تعرف في علم النفس الادراكي بأنها تجسيد حسي ومادي للمخاوف والذنب الطاغي الذي يعجز عقل ماكبث عن استيعابه، لتتحول افكاره ومشاعره السوداويه و خطواته المستقبلية الى اطياف و خيالاتٍ مرئية في الفضاء المحيط به ،و من منظور تشريحي يحدث هذا نتيجة نشاط عشوائي مكثف في القشرة البصرية بالفص القذالي نتيجة القلق الحاد ، حيث يقوم الدماغ برسم الصور داخلياً و مزجها بالذاكرة البصرية المخزنة، مما يجعله يرى الخنجر الطافي ، و شبح بانكو في مشهدٍ تالي _ كحقيقةٍ واقعية لا مجرد خيال، لتتحول المساحة من حوله الى تجسيد مرئي لجنايته”
“ لم يقتصر هذا الانهيار على بصره فحسب لانه بعد اقترف ماكبث للجريمة، تجلى انهياره النفسي والعصبي من خلال الهلوسة السمعية، حيث تُعرف الهلوسة السمعية في علم النفس الإدراكي بأنها إدراك حسي خاطئ يحدث كآلية دفاعية مشوهة ومحاولة من العقل للإسقاط النفسي الحسي، عندما يعجز عن تحمل هذا الذنب والصدمة، فيقوم بنقل صوت داخلي يتمثل في صوت الضمير إلى صوت خارجي مسموع كأنه يسمعه من الخارج”
” ومن منظور تشريحي، يعود هذا الصراخ إلى فشل الدماغ في تمييز مصدر أفكاره، مما يؤدي إلى نشاط عشوائي في القشرة السمعية بالفص الصدغي العلوي، تجعل ماكبث يسمع أصواتاً فعلية وكأن أحداً يتكلم معه. وفي تلك الأثناء، تتدخل اللوزة الدماغية لتعلن حالة الطوارئ نتيجة هذه الصدمة، مطلقةً استجابة الكر والفر، وهذا ما يفسر الهروب الفعلي لماكبث.”
بعد جريمته الشنيعة قرر ماكبث الهرب بسرعة و العودة لغرفته مفزوعاً ليصطدم بزوجته عند الباب و تجده حاملا خنجرا مليئا بالدماء و صورة زوجها تفزع الناظرين، تغضب منه عند نسيانه وضع الخنجر في يد احد الحراس و تقنعه بالعودة لمسرح الجريمة لكنه يرفض قطعياً العودة فتمسك بالخنجر و ترتب مسرح الجريمة _ تعود لزوجها لينظفو أنفسهم من الدماء و يحل الصباح و كأن شيئا لم يكن.
مع تحقق النبؤة و اعتلاء ماكبث العرش بدأت احداث اخرى حيث تحول تتويجه الى هوس بالسلطة حيث يزداد شكه بكل من حوله و يفكر أن الكل يريد سرقة العرش منه ، تتصاعد شكوكه لدرجة ان يقتل صديقه بانكو و يحاول قتل ابن بانكو خوفاً
“تعرف هذه الحاله في علم النفس بالبارانويا الحاده وهي نوع من الارتياب المرضي والشك والاضطهاد الغير مبرر اتجاه الاخرين، حيث يعتقد الشخص جازماً دون وجود اي أدلة أن هناك شخصاً يراقبه، ويخطط لايذائه او الاطاحة به، وتعتبر البرانويا آلية دفاعية متطرفة فالشخص يحمل في داخله خوفا هائلا او ذنبا فيقوم باسقاط هذا الخوف تجاه الاخرين المحيطين به بدلا من ان يواجه نفسه ويقول بانه خائف، فيترجم عقله هذا الشعور بأن الجميع يتآمرون ضده”
وهذا الاضطراب هو ما حدث لماكبس بالضبط حيث بعد ارتكابه للجريمه الاولى حاول الهرب من نفسه عن طريق هذا الاضطراب فآمن في نفسه بأن الاشخاص المحيطين به يخططون لسرقه عرشه فيزداد شكه المرضي واتجاه الاخرين لينعكس هذا الارتياب في النهاية على صديقه بانكو و يقوده للتخلص منه.
ماذا عن زوجته وشريكته في الجريمة ؟ هل كان لها نصيب من هذا الانهيار النفسي ؟
نعم، لقد اتخذ الانهيار النفسي لليدي ماكبث مساراً آخر؛ حيث تجسد في مشهد تراجيدي يجمع بين المشي أثناء النوم واضطراب الوسواس القهري. ويعبر علم النفس الإدراكي عن هذه الحالة بأنها اضطراب ما بعد الصدمة؛ فبينما نجحت في كبت مشاعرها وذنبها وخوفها نهاراً ، انهار وتفجر ذلك كله ليلاً في أثناء نومها.
وبينما كان وعيها يحاول الهرب نهاراً وعدم مواجهة حقيقة الجريمة وخوفه المستمر، انفجر عقلها الباطن معبراً عن نفسه بالحركة. وهنا تملكها الوسواس القهري وهو “اضطراب يدفع العقل لتبني أفكار وسواسية مخيفة ومستمرة، تعجز النفس عن التخلص منها إلا عبر سلوكيات طقوسية تكرارية “حيث تمثل وسواسها في رؤية بقعة دم وهمية ملتصقة بيدها، مما دفعها لمارسة سلوك متكرر و هو غسل يدها باستمرار لمدة لا تقل عن ربع ساعة، في محاولة يائسة من عقلها الباطن للتطهر من دماء هذه الجريمة التي لم يستطع وعيها تقبلها أصلاً.
وفي النهاية، يبلغ الانهيار العصبي والنفسي ذروته لكل من ماكبث وليدي ماكبث في المشاهد الأخيرة للمسرحية، حيث يتجسد انهيار ليدي ماكبث عندما تنهار قواها الدفاعية تماماً، وينتهي بها المطاف بالانتحار عاجزة عن تحمل الذنب الذي تحمله. أما ماكبث، فيأتي انهياره بالجنون، فبعد سماعه بخبر انتحار زوجته، يدرك أن جرائمه كانت عبثاً بلا معنى فيدخل في حلقة من اللامبالاة المطلقة واليأس، لينتهي به المطاف ميتاً نفسياً قبل أن يكون جسدياً.
ربما يتساءل البعض عن نظرة الجمهور لشخصية ماكبث كيف كانت »
تغيرت نظرة الجمهور لشخصية ماكبث بالكامل، فتحولت من كونه بطلاً شجاعاً، ومحارباً نبيلاً، وقائداً يستحق الثناء، إلى طاغية متعطش للدماء، ومغتصب للعرش، وشخص تجرد من إنسانيته. لكن، لم يكن أحد ينظر إلى ما يدور بداخل عقله، وكيف أن هذه الجرائم التي ارتكبها بيديه أحدثت صراعات مدمرة في وعيه، لدرجة أنه أصبح جباناً، منعزلاً، ويتأكل من الداخل ببطء شديد. لم يلاحظ أحد هذا الخراب الداخلي أبداً، فالكل رأوه مجرد طاغية ومجرم ..حتى انا.




جميل المقال💗
واااااووو تحفههه ابدعتيييي ما شاء الله