لطالما نظر الإنسان إلى الكون الشاسع كفراغ من العدم لا قيمة له، لكن مع تطور الفيزياء الحديثة، بدأت تتضح لنا مفاهيم ثابتة عن هذا الكون لتكشف لنا العديد من الأسرار في الفضاء، من أجرام ونجوم وثقوب سوداء.
البعض يعرفون الثقوب السوداء كوحوش فضائية تلتهم كل شيء، لكنها في الحقيقة ولدت من انهيار نجوم عملاقة، لتصنع في الفضاء جسماً ذو كثافة وجاذبية كبيرة.
من وجهة نظر الفيزياء الكلاسيكية، الثقب الأسود ليس له نهاية أو فناء لكن، هل الثقوب السوداء أبدية مطلقة ام انها محكومة بالفناء؟
الإجابة تكمن عند حدودها، وتحديداً عند خط وهمي يُعرف بـ “أفق الحدث” ، وهو النقطة الفاصلة بين منطقة الهروب وبداية جاذبية الثقب الأسود .
كيف يولد إشعاع هوكينغ عند حافة أفق الحدث ليعلن بداية نهاية الثقب الأسود؟
الفراغ المحيط بأفق الحدث ليس عدماً، فحسب ميكانيكا الكم الفراغ لا يساوي اللاشيء، إنما فيه طاقة تسمى “تموجات الكم”. هذه الطاقة تجعل الفراغ ينتج باستمرار جسيمات افتراضية ، وهي عبارة عن : (جسيم وجسيم مضاد) يظهران معاً ويفنيان معاً عند الاصطدام ببعضهما البعض.
لكن عندما يولد كلا الجسيمين الافتراضيين عند خط أفق الحدث تحديداً، تتدخل الجاذبية المرعبة للثقب الأسود، وتقوم بفصلهما ، فتبتلع وتسقط الجسيم ذو الطاقة السالبة داخل الثقب الأسود عبر أفق الحدث بينما يجد الجسيم الآخر (الموجب) نفسه خارج منطقة أفق الحدث، فينطلق في الفضاء الواسع مخلفاً وراءه ما نراه نحن “كإشعاع هوكينغ “
ما هو مصير كتلة الثقب الأسود ؟
عندما تسقط الجسيمات ذات الطاقة السالبة داخل الثقب الأسود، فإنها تعمل كممحاة لكتلته، حيث تبدأ كتلة الثقب الأسود بالتناقص التدريجي فيما يُعرف بـ” التبخر الكوني”
هذه العملية تحدث ببطء شديد على مدار مليارات المليارات من السنين، لكن المفارقة العجيبة هنا هي أنه كلما صغر حجم الثقب الأسود، كلما زادت سرعة تبخره وحرارته بشكل جنوني وفي اللحظات الأخيرة من عمره، عندما تتبقى منه كتلة صغيرة جداً، يطلق الثقب الأسود طاقته الأخيرة في ثوان معدودة على شكل انفجار مرعب من أشعة غاما عالية الطاقة، ليختفي بعدها تماما ، تاركاً الفضاء من حوله غارقاً في موجات حرارية متناثرة.
اذا كانت الثقوب السوداء تفنى حقا فأين تذهب المعلومات والمواد التي ابتلعتها؟
في الفيزياء، هناك قانون أساسي ومهم في ميكانيكا الكم يقول” أن المعلومات لا تفنى ولا يمكن تدميرها أبداً” . بمعنى أنه إذا مات نجم أو انهار جرم، فإنه يخلف وراءه أدلة وسجلات كيميائية وطاقية تخبرنا عن أصله، مثل النيوترونات والهيدروجين.
لكن الثقب الأسود يكسر هذه القاعدة تماماً فحسب نظرية إشعاع هوكينغ، عندما يبتلع الثقب الأسود نجوماً، أو أجراماً ثم يتبخر وينفجر بأشعة غاما، فإن الإشعاع الهارب يكون عشوائياً وحرارياً تماماً، ولا يحمل أي أثر لتلك المواد التي ابتلعها من قبل .
هذا التناقض المرعب خلق ما يعرف بـ مفارقة معلومات الثقب الأسود، حيث يختفي الثقب دون أن يترك وراءه أي معلومة أو أثر لما ابتلعه في الماضي ، هذا الأمر أشعل صراعاً علمياً حاداً بين ستيفن هوكينغ وعلماء ميكانيكا الكم، الذين رفضوا تماماً فكرة فناء المعلومات.
في الأخير، نكتشف أن نهاية الثقوب السوداء هي مسألة وقت فقط، وأنها فانية وليست أبدية. ولحد الآن لا يزال هناك مفارقة معلومات وصراع علمي ضخم بين ستيفن هوكينغ و علماء ميكانيكا الكم في ظل هذا اللغز الكوني الغريب و المثير للاهتمام.
شكرا على القراءة.



