ألم يتساءل بعضكم كيف للإنسان أن لا يمرض بنفس المرض مرتين، وكيف للإنسان العيش والبقاء على قيد الحياة رغم كل الجراثيم والميكروبات المحيطة بنا. لحقيقة الأمر، دائماً ما كانت تركيبة الإنسان تثير فضولي وتُبعث فيَّ الدهشة. اليوم، قادني فضولي نحو الجهاز المناعي.
كما نعرف، الجهاز المناعي هو شبكة واسعة من الأعضاء وخلايا الدم البيضاء والبروتينات ومواد كيميائية تساعد على حماية الجسم وتَعَافيه أيضاً.
نتطرق الآن لمعرفة طبقات أو خطوط دفاع هذا الجهاز. للمعلومية، هو يتكون من 3 خطوط دفاعية جاهزة لمحاربة الجراثيم وكل دخيل فقط حمايتك أنت.
خط الدفاع الأول: تخيلوا معي أن جسمنا بمثابة قلعة، فتحتاج هذه القلعة لحماية من طرف سور خارجي وهو المتمثل في جلدنا. جلدنا ليس فقط حاجزاً فيزيائياً يمنع دخول الميكروبات لأن خلاياه ملتصقة ببعضها، بل هو أيضاً حاجز كيميائي، حيث إنه يتكون من غدد دهنية تطلق أحماضاً فيصبح الوسط حامضياً. أي مكروب يحاول أن يخترق هذا الحاجز سيتم القضاء عليه لأنه يجد نفسه في بيئة قاتلة.
وإذا انتقلنا للجهاز التنفسي والأغشية المخاطية، إذ ركزنا على الرئتين سنجد أنها تستقبل كمية هواء كبيرة مليئة بالميكروبات وملوثة. هنا يتدخل المخاط والأهداب ويَطردان الدخلاء عن طريق السعال والعطس. أيضاً هذا المخاط مليء بالإنزيمات لتفكيك الميكروبات.
الآن لو افترضنا أن هذا الميكروب قدر أن يخترق هذه الأسوار ويدخل، هنا سوف يواجه أو يتلقى صدمة كيميائية حيث أن الجسم يفرز جزيئات وعائية وبروتينات ذائبة تسمى الببتيدات المضادة للميكروبات. هذه الأخيرة مثل المضادات الحيوية الطبيعية، حيث تستهدف جدار البكتيريا والفطريات وتفجرها. من بين هذه الببتيدات هناك ببتيد معروف يدعى LL-37، هذا الببتيد يُحفَّز بفيتامين د3، فنقص هذا الفيتامين يؤدي إلى زيادة فرص المرض.
لو فشل هذا الحاجز في ردع الميكروبات وإيقافها ودخل داخل الأنسجة، هنا يتدخل خط الدفاع الثاني أو ما يسمى بقوات التدخل السريع الداخلي:
الخلايا الدفاعية وهي الخلايا البلعمية (الماكروفاج والنيتروفيل). هي عبارة عن دوريات حراسة، أي ميكروب تجده تبلعه وتفرز عليه مركبات أكسجين وأكسيد النيتريك وتذيبه داخل تفاعلات سامة.
العملية الانتحارية الفدائية (NETS): خلايا "العدلات" (نوع من البلعميات) عندما تلاحظ أن المعركة قوية على البلعميات والخلايا الدفاعية، تفجر نفسها وتطلق الحمض النووي الخاص بها (DNA) على شكل شبكة صياد ملغمة بالسموم، تصيد البكتيريا داخلها وتقتلها.
الخلايا القاتلة الطبيعية (NK Cells): "قناصة" داخل الجسم. هذه لا تقاتل الميكروب وحده، إنما دورها أن تجد خلايا الجسم التي بدأت تتحول لسرطان وتقتلها فوراً.
بعد ما تطرقنا للخلايا الدفاعية، سنجد في هذا النظام الدقيق جداً بروتينات وهي: البروتينات الدفاعية (الدعم الذكي في السوائل):
بروتين MBL بروتين يتواجد في الدم، يلتصق بسكريات الميكروب فيصبح الميكروب "شهياً" للبلعميات لتأكله بسرعة.
الإنترفيرونات (Interferons): هذه الخلية تطلق جرس إنذار على شكل هذا البروتين لتحذر الخلايا المجاورة من خطر الإصابة بالفيروس الذي هي مصابة به.
نظام المتممة (Complement): بروتينات تتكتل فوق غشاء الميكروب في الدم وتفجره.
هنا وبالتأكيد لن تكون ردة فعل الجسم هادئة تماماً. أقصد الوسط الخارجي ، لذا الاستجابات الفسيولوجية تتمثل في:
الالتهاب (Inflammation) :تتوسع الأوعية الدموية في مكان الإصابة لتساعد على تدفق كبير للدم لهذا تصبح المنطقة محمرة وذات حرارة عالية وأيضاً تنتفخ.
الحمّى (Fever): ردة فعل الجسم على الميكروبات بشكل خارجي هو رفع حرارة الجسم بشكل كبير لأنها آلية إيقاف لتكاثر الميكروبات وتسريع حركة الخلايا المناعية في القتال.
كل هذا يحدث في ثوانٍ بلا إدراك منا.
الآن لو فرضنا أن الميكروب كان قوياً جداً وتغلب على الحواجز والبلعميات والحمى وكل الإنزيمات والخط الدفاعي الثاني لم يستطع السيطرة عليه، الجسم هنا يلجأ للخط الدفاعي الثالث ألا وهو المناعة المكتسبة الذكية. يتميز هذا الخط لكونه غير عشوائي، لأنه يتمثل في مكونين وهما:
الخلايا البائية B: هذه الخلايا هي مصنع المواد الكيميائية حيث تفرز بروتينات ذكية تسمى الأجسام المضادة. عملها هو أنها تجري بسرعة إلى الميكروب وتشل حركته وتنتظر البلعميات لتدمره.
الخلايا التائية T: هذه مختصة في الخلايا، حيث تنتقل مباشرة للخلية المصابة والسرطانية وتفجرها.
أغرب وأعقد شيء في هذا الخط هو الذاكرة المناعية. تركيبة وعمل هذه الأخيرة دقيق جداً، حيث عند انتهاء المعركة يموت الميكروب و لكن الخلايا (T و B) لا تموت كاملة، هناك جزء منها يتحول لخلايا ذاكرة. هذه الخلايا تعيش في أجسامنا لسنوات بالبصمة الجينية لهذا الميكروب.
ولو عاد هذا الميكروب ودخل مرة أخرى للجسم، الجسم سيكون فطناً به ويُرسل له هجوماً مضاداً وقوياً يدمره بسرعة بدون ان يحدث تغيرات فسيولوجية غالباً لأنه يقضي عليه بسرعة.
للمعلومية، هذه هي الفكرة الأساسية التي بدأ منها صنع اللقاحات.
ربما يتساءل البعض لماذا نمرض بالزكام دائماً وبشكل متكرر، ألا يحتفظ جسمنا بالبصمة الجينية للزكام؟ الزكام معروف بالتمحور الجيني المستمر، معناه أنه لا يحتفظ بصيغة جينية واحدة، وهو في حالة عدم استقرار جيني، لهذا لا تحتفظ الذاكرة المناعية بهذا الشكل من الصيغة الجينية لأنها في كل مرة تقابل صنفاً جديداً، إلى جانب أن هناك أكثر من 200 سلالة فيروسية تسبب نفس الأعراض.
في الاخير، نتوقف قليلاً لنرى عظمة هذه الهندسة الدقيقة والتراكيب المحكمة، وكأنه عالم آخر كلياً داخلنا. عالم مرسوم بالخط وبسطورٍ دقيقة جداً تجعل الإنسان حائراً ومتعجباً من هذا الصنع. سبحان الخالق.
شكراً على القراءة.



مقال جميل