لكل شخص في هذا العالم بيتٌ يحميه في عقله، جدرانٌ من مبادئ وأفكار ومعتقدات اعتاد أن يراها جزءًا منه. ومن نوافذه، ننظر إلى العالم ونحاول فهمه بالطريقة التي اعتدناها.
لكن ماذا يحدث حين يدخل شيء يهزّ ما بُني داخله؟ نشعر به كتهديد، فنبدأ بالدفاع عمّا نؤمن به دون أن نسأل: هل ندافع عن الحقيقة، أم عن شعورنا بأننا نعرفها؟
ولعل الإجابة تبدأ من الطريقة التي نرتب بها العالم من حولنا، ونقسمه إلى «نحن» و«هم».
نحن ضد هم
كيف ينتقل الإنسان من مجرد كونه فردًا مستقلًا بذاته إلى رؤية العالم من خلال ثنائية «نحن» و«هم»؟
تبدأ الحكاية من شيء يبدو بسيطًا جدًا: التصنيف. فنحن لو تلاحظون نميل أكثر إلى تنظيم العالم من حولنا وتقسيمه إلى مجموعات، لأن هذا يجعل البيئة الاجتماعية المعقدة أسهل للفهم والتعامل معها. و يمكن ان تكون هذه التصنيفات عشوائية، كأن يُقسَّم الناس إلى من يفضلون الطعام المالح ومن يفضلون الطعام الحلو. لكن بمجرد أن نضع أنفسنا داخل مجموعة ونضع الآخرين خارجها، يبدأ العالم في اتخاذ شكل مختلف في أذهاننا: نحن، و ، هم.
وهنا لا تعود المجموعة مجرد تصنيف خارجي.
مع الوقت و التعايش في ظل هذا الانتماء ، يمكن أن يصبح هذا الانتماء إلى المجموعة جزءًا من الطريقة التي نعرّف بها أنفسنا…
وهذا ما تتناوله نظرية الهوية الاجتماعية؛ فالإنسان لا يمتلك هوية فردية فقط، بل تتكون هويته أيضًا من المجموعات التي يرى نفسه جزءًا منها. قد يكون المرء طالبًا، أو مشجعًا لفريق، أو ينتمي إلى مجتمع أو جماعة معينة، وفي كل حالة من هذه الحالات، تصبح المجموعة جزءًا من الإجابة عن سؤال: من أنا؟
وحين تصبح المجموعة جزءًا من هويتنا، لا تعود إنجازاتها وفشلها مجرد أحداث تخص أشخاصًا آخرين. قد يبدأ الفرد في الشعور بأن نجاح المجموعة ينعكس عليه شخصيًا، وكأن نجاحها نجاح له. ويظهر ذلك في سلوك يعرف باسم Basking in Reflected Glory، حيث يربط الفرد نفسه بنجاح مجموعته ويشعر بالفخر به. فنقول مثلًا: «نحن فزنا»، حتى لو لم نكن نحن من لعب المباراة أصلًا.
لكن العلاقة لا تسير دائمًا في الاتجاه نفسه. فعندما تواجه المجموعة فشلًا أو نتيجة سلبية، قد يحاول الفرد النأي بنفسه عنها، فيتحول «نحن» إلى «هم»: «هم خسروا» بدل «خسرنا». ويُعرف هذا الميل بمفهوم Cutting Off Reflected Failure، أي محاولة الابتعاد عن الفشل المنسوب إلى المجموعة.
وهنا تبدأ الحدود بين «نحن» و«هم» في الظهور بصورة أوضح.
في علم النفس الاجتماعي، تُعرف المجموعة التي أرى نفسي جزءًا منها باسم الجماعة الداخلية (in-group)، بينما تشير الجماعة الخارجية (out-group) إلى المجموعات التي لا أرى نفسي جزءًا منها. ولا يعني وجود جماعة داخلية وخارجية بالضرورة أنني سأكره الآخرين أو أرغب في إيذائهم. لكن مجرد الانتماء يمكن أن يكون مرتبطًا بميل إلى تفضيل أفراد مجموعتي والنظر إليهم بصورة أكثر إيجابية.
وفي المقابل، قد يبدأ أفراد المجموعات الخارجية بالظهور لنا بطريقة مختلفة. أحيانًا لا نعود نراهم كأفراد متنوعين، بل كأنهم مجموعة متشابهة فيما بينها، وكأن الفروق بينهم أقل مما هي عليه في الواقع. وهكذا يصبح «الآخر» أقل فردية في أعيننا، وأكثر شبهًا بكتلة واحدة تقف في الجهة المقابلة.
ومن هنا نصل إلى المقارنة الاجتماعية.
فوجود مجموعة لا يعني أننا نكتفي بمعرفة أننا ننتمي إليها، بل قد نبدأ بمقارنتها بالمجموعات الأخرى. وهنا تصبح المسألة أحيانًا أكبر من مجرد الحصول على أفضل نتيجة ممكنة. وهذا ما أظهرته تجارب هنري تاجفل على المجموعات الدنيا؛ إذ أمكن ظهور تفضيل للمجموعة حتى في ظروف كان تقسيم الأفراد فيها عشوائيًا ولا تقوم بينهم مصلحة شخصية واضحة أو علاقة سابقة.
وفي تجارب المصفوفات، ظهر أمر أكثر إثارة للاهتمام: في بعض الاختيارات، لم يكن الفرد يختار بالضرورة الخيار الذي يمنح مجموعته أكبر عدد ممكن من النقاط، بل قد يفضل خيارًا يجعل الفارق بين مجموعته والمجموعة الأخرى أكبر. أي أن الهدف لم يعد فقط:
«كم سنحصل نحن؟»
بل أصبح أيضًا:
«كم سنكون أفضل منهم؟»
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة في الموضوع: قد تتحول المقارنة من البحث عن المكسب إلى البحث عن التفوق النسبي.
فالقيمة، في هذا السياق، لا تصبح مطلقة تمامًا،
أن تكون مجموعتي جيدة قد لا يكون كافيًا، بل قد يصبح من المهم أن تكون أفضل من المجموعة الأخرى. ومن خلال هذا التفضيل للمجموعة الداخلية والمقارنة مع المجموعات الخارجية، يمكن أن ينشأ التحيز بين المجموعات ويتعزز التنافس بينها.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول: لماذا يصبح «نحن» مهمًا إلى هذه الدرجة؟
أحد التفسيرات التي تقدمها نظرية الهوية الاجتماعية هو أن الانتماء إلى المجموعة يمكن أن يرتبط بتقدير الفرد لذاته وهويته. فإذا أصبحت المجموعة جزءًا من الطريقة التي أرى بها نفسي، فإن صورتها تصبح ذات أهمية بالنسبة إليّ. نجاحها قد يمنحني شعورًا بالفخر، وفشلها قد يصبح أكثر إزعاجًا، والمقارنة بينها وبين غيرها قد تتحول بطريقة أو بأخرى إلى مقارنة تمسني أنا أيضًا.
وهكذا، لا يعود «هم» مجرد مجموعة أخرى موجودة في العالم، بل يصبحون الطرف الذي نقيس أنفسنا بالنسبة إليه.
ومن هنا تتضح لنا دائرة تعيد نفسها
نصنّف، ثم ننتمي، ثم نعرّف أنفسنا من خلال انتمائنا، ثم نقارن مجموعتنا بغيرها، ثم نميل إلى تفضيل «نحن» على «هم».
بعد أن أصبحت لدينا هوية ومجموعة ومعتقدات معينة داخل هذه المجموعة، والتي أصبحت جزءًا من تعريفنا لأنفسنا، لماذا نرى دائمًا أننا على حق، وأن الطرف الآخر هو المخطئ؟
لنبدأ من أنفسنا.
يمكن للانسان مع انتمائه للمجموعة ان يشعر احيانا بفجوة بين ما اعتقده و بين ما يعرفه حقيقة فيلجئ للبحث عن اصل معتقد معين
لكن نحن لا نبحث دائمًا عن الحقيقة من الصفر.
فإذا كانت لدينا فكرة مسبقة أو اعتقاد سابق عن شيء ما، فلن نتعامل معه بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع شيء لا نعرف عنه شيئًا.
لنفترض أن شخصًا يميل سياسيًا إلى اليمين، وآخر يميل إلى اليسار. عندما يواجهان نفس البحث او نفس الامثلة، لا يبدآن من السؤال ذاته: «ماذا حدث فعلًا؟»، بل من اعتقاداتهما السابقة. قد يبحث كل منهما عن المصادر والتفسيرات التي تنسجم مع موقفه، ويكون أكثر تشككًا تجاه ما يخالفه. وهكذا لا يعود البحث مجرد محاولة للوصول إلى الحقيقة، بل قد يتحول من دون أن نشعر إلى “محاولة لإثبات أن ما كنا نعتقده منذ البداية كان صحيحًا.”
وهنا المشكلة.
نبحث عن المعلومات التي تؤيد اعتقادنا، ونفسر المعلومات الغامضة بالطريقة التي تخدمه، ونتذكر الأمثلة التي تؤكده أكثر من غيرها، ثم نتجاهل الأشياء التي تناقضه.
وهذا هو “الانحياز التأكيدي”Confirmation Bias
لكن لماذا يحدث هذا أصلًا؟
لنفترض أن أمامنا قصة تبدو مقنعة جدًا: شخصية اسمها بيل كان مصابًة بالسرطان، واتبعت نظامًا صحيًا معينًا، ولم يعتمد على العلاج الكيميائي، ثم تحسنت حالتها.
بيل هنا حالة واحدة.
لكن القصة قد تنتشر، ويبدأ الناس في إعطائها معنى أكبر بكثير مما تحتمله. قد يتحول الأمر من «هناك شخص تحسنت حالته بهذه الطريقة» إلى «إذًا هذه الطريقة فعالة»، وربما يصل الأمر إلى «إذًا العلاج الكيميائي لا فائدة منه».
لكن لحظة.
هل حالة واحدة تكفي لإثبات ذلك؟
بالطبع لا.
هناك أعداد هائلة من الأشخاص الذين مروا بتجارب مختلفة، وربما اتبعوا الطريقة نفسها ولم يحصلوا على النتيجة ذاتها. لكننا لا نسمع قصصهم بالطريقة نفسها؛ لأن قصصهم ليست استثنائية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة للاهتمام: لماذا نعطي القصة الاستثنائية كل هذا الحجم؟
ربما لأنها عاطفية. وربما لأنها تمنحنا بريق أمل. وربما، وهذا هو الجزء الأهم، لأنها تقول لنا شيئًا نريد أن” نصدقه “أصلًا
نحن لا نتفاعل مع قصة بيل فقط لأنها حدثت، بل لأنها تدعم اعتقادنا المسبق بإمكانية العلاج بهذه الطريقة،لكن وجود مثال واحد على إمكانية حدوث شيء لا يعني بالضرورة أن هذا الشيء هو التفسير الصحيح أو أنه النتيجة الأكثر احتمالًا.
وهنا يجب أن نفرق بين القصة والبيانات.
القصة قد تكون مؤثرة، وقد تجعلنا نشعر بأن شيئًا ما ممكن. لكنها وحدها لا تخبرنا بمدى شيوع هذا الشيء.
وهذا يحدث في أشياء كثيرة، وليس في الصحة فقط.
في النقاشات السياسية مثلًا، قد يكون لدى شخص اعتقاد معين عن الطرف الآخر، ثم يجد موقفًا واحدًا، أو تصريحًا واحدًا، أو حتى صورة واحدة، فيستخدمها وكأنها دليل على صحة حكمه الكامل على ذلك الطرف.
إذا كنت أعتقد أصلًا أن الطرف الآخر متخلف أو متعصب، فقد ألتقط أي موقف منه ينسجم مع هذا الاعتقاد، وأعتبره دليلًا إضافيًا عليه، بينما قد أتجاهل عشرات المواقف التي لا تنسجم معه.
وهنا لا أكون قد بحثت عن الحقيقة بقدر ما بحثت عن ما يؤكد الحقيقة التي أريدها أنا.
لكن يبقى السؤال الأهم:
لماذا نبحث بهذه الطريقة أصلًا؟
لماذا لا ندخل إلى البحث ونقول: دعوني أرى ماذا تقول الأدلة، ثم أقرر؟
لأن البحث نفسه لا يبدأ دائمًا من فراغ.
قبله توجد عملية تفكير، وهذه العملية قد تكون موجهة أصلًا نحو نتيجة معينة.
أحيانًا لا نبحث لأننا نريد أن نعرف إلى أين ستقودنا المعلومات، بل لأننا نريد الوصول إلى نتيجة معينة، ثم نبدأ في البحث عما يساعدنا على الوصول إليها.
وهنا يظهر التفكير الموجّه.
الفكرة ببساطة أن الإنسان قد يوجه طريقة فهمه وتحليله للمعلومات وفقًا لما يريده أن يكون صحيحًا، أو وفقًا لمشاعره ومعتقداته وهويته ومصالحه.
بمعنى آخر، قد تكون نقطة الوصول موجودة في رأسه قبل أن يبدأ الرحلة أصلًا.
ولهذا أحب تشبيه الأمر بأن العقل أحيانًا لا يتصرف كقاضٍ يريد أن يسمع القضية من جميع جوانبها، بل يتحول إلى محامٍ بدأ بالنتيجة، ثم أخذ يبحث عن الحجج التي تدافع عنها.
وهنا يصبح الانحياز التأكيدي جزءًا من الصورة.
أنا لدي اعتقاد، ثم أبحث عن الأدلة التي تؤيده، ثم أفسر بعض الأدلة بطريقة تخدمه، وأشكك في الأدلة التي تعارضه، وأقبل بسهولة أكبر ما ينسجم معه.
وليس الأمر عشوائيًا تمامًا، فالنتيجة التي أريد الوصول إليها قد تكون مرتبطة بهويتي، أو بما أشعر أنه يحفظ مصالحـي، أو بما يمنحني شعورًا بالأمان والانتماء.
لذلك فإن التخلي عن هذه النتيجة قد لا يبدو لي وكأنه مجرد تغيير رأي.
قد أشعر وكأنني أتخلى عن جزء مني.
لكن ماذا يحدث عندما لا تسير الأمور كما أريد؟
ماذا يحدث عندما أبحث، رغم كل هذا، وأجد أمامي معلومة لا تنسجم مع ما أؤمن به؟
هنا تظهر مشكلة أخرى.
أنا أحمل اعتقادًا معينًا، ثم أواجه معلومة تناقضه. وفجأة أصبح لدي فكرتان لا تنسجمان مع بعضهما.
وهذا التناقض يخلق انزعاجًا نفسيًا؛ لأننا نميل إلى الشعور بالانسجام والتناسق، ولا نشعر بالراحة دائمًا عندما نبقى في منطقة رمادية لا نعرف فيها أي الطرفين نصدق.
وهذا هو التنافر المعرفي.
فماذا نفعل عندما يحدث ذلك؟
لدينا أكثر من طريقة للتعامل معه.
قد نغير سلوكنا ليتوافق مع ما عرفناه.
أو نغير اعتقادنا نفسه
أحيانًا، عندما نواجه ما يناقض معتقداتنا، لا نغيّرها بالكامل، بل نبحث عن تفسير يجعل التناقض أقل إزعاجًا.
فالواقع في كثير من الأحيان لا يأتي إلينا في صورة أبيض وأسود. نحن نعيش في مناطق رمادية أكثر مما نحب أن نعترف به.
لكن العقل، في محاولته للحفاظ على الانسجام، قد يرتّب هذه الفوضى بما يناسبه.
وفي النهاية، قد لا نسأل دائمًا: «ما الحقيقة؟» بقدر ما نسأل، دون أن ندرك: «كيف أجعل الحقيقة التي أريدها منطقية بالنسبة لي؟»
ربما لا تكمن المشكلة في اختلاف معتقداتنا، بل في اعتقادنا أننا نمتلك الحقيقة كاملة. وربما يبدأ التفكير الحقيقي حين نمتلك الشجاعة لنكسر دائرة تقديس معتقداتنا.




مقال جميل
👏👏👏